ما أرق التواضع للكاتبة والأديبة اللبنانية ملفينا ابومراد
ما أرقّ التواضع
*
رأيتُ مسنًّا منزوياً تحت شرفة منزلي، متجمّدًا من البرد في ليلة عاصفة.
هل كان يحتمي من المطر؟
طال وقوفه حتى بعد انقطاعه. تعجبت من حاله: أهو تائه؟ أم جائع؟ أم أرهقه الليل فآثر المبيت غريبًا، على أن يقع فريسة لكلاب شاردة أو سيارة مسرعة؟
بيتي منفرد في بلدة نائية.
ثم سمعت صوت فرامل سيارة تحاول التوقف. اطمأن قلبي؛ لا بد أن أحد أبنائي عاد من عمله الليلي.
لكن الباب لم يُفتح.
أعدت النظر إلى الخارج… لم أرَ المسن، ولم أرَ السيارة.
اشتعلت الحيرة في رأسي:
هل أقلّ ابني الرجل؟
أم تذكّر شيئًا فعاد؟
أم تلقّى اتصالًا أعاده أدراجه؟
حاولت التواصل معه… الهاتف خارج الخدمة.
صار رأسي كمدقّة تطرق في جرن: خوف، قلق، ألم.
طال الوقت… حتى عاد.
في وجهه مسحة حزن زادت قلقي.
قبّل جبيني قائلاً:
— ارتاحي يا ست الكل.
وقبل أن تسألي، سأجيب.
وصلت منذ ساعة. رأيتُ مسنًا يحتمي تحت شرفتنا. بعد أن أوقفت السيارة تقدمت نحوه. سبقني بعبارة: "مساء الخير".
ظننته متسولًا أول الأمر، لكنه ردّ باحترام. دعوته إلى البيت، فاعتذر قائلاً:
— شكرًا. إن كان وقوفي يزعجك أرحل.
أجبته:
— بل أهلاً وسهلاً بحضرتك. إن كنت ضائعًا أوصلتك حيث تريد.
لم أسأله لماذا هو في هذا الليل العاصف، حيث لا سيارات ولا حافلات في هذه المنطقة.
قال إن هاتفه خارج التغطية حتى يطلب سيارة أجرة، وأضاف:
— أرسلك الله لي يا ابن الحلال. أنا من منطقة بعيدة وأريد أن أصل قبل أن ينشغل بال أهلي عليّ.
أوصلته إلى ساحة البلدة، شحنّا هاتفه، واتصلنا بسيارة أجرة. اطمأننت أنه انطلق بسلام… وعدت.
فقالت الام : حمدا لله يا بني ، الطيبة تزرع الخير ، و الخير ينبت النعم .
ملفينا توفيق ابو مراد
٢٧/٢/٢٠٢٦

تعليقات
إرسال تعليق